السبت, 9 ربيع الأول 1448 هجريا, 22 أغسطس 2026 ميلاديا.
مواقيت الصلاة

مواقيت الصلاه بحسب التوقيت المحلى لمدينة المدينة المنورة ليوم السبت, 9 ربيع الأول 1448هـ

الفجر
04:37 ص
الشروق
05:59 ص
الظهر
12:25 م
العصر
03:53 م
المغرب
06:50 م
العشاء
08:20 م
المشاهدات : 5475
التعليقات: 0

حين تصبح مجرد رقم.. صمت الموظف بين التهميش والانتظار

حين تصبح مجرد رقم.. صمت الموظف بين التهميش والانتظار
https://php82.alshaamal.com/?p=317223
بقلم | سميرة عبدالله

في زوايا بعض بيئات العمل لا تكمن المعاناة
دائمًا في ضغط المهام أو صعوبة الإنجاز بل في ذلك الشعور الخفي الذي يتسلل إلى النفس شيئًا فشيئًا
أن تكون موجودًا لكنك غير مرئي.
تؤدي عملك بإخلاص تحضر في الوقت تنجز ما يُطلب منك وربما أكثر ومع ذلك لا تجد لصوتك صدى ولا لوجودك أثر.

وكأنك تؤدي دورًا صامتًا في مشهد لا يلتفت إليه أحد.

التهميش الوظيفي لا يأتي بالضرورة في قرار مكتوب ولا يُعلن عنه في تعميم رسمي بل قد يبدأ بإشارات صغيرة تتراكم مع الوقت حتى تصنع واقعًا ثقيلًا يشعر فيه الموظف بأنه خارج دائرة الاهتمام.

قد يتم استبعادك من اجتماعات مهمة أو لا يُطلب رأيك في قرارات تمس عملك مباشرة أو تُمنح الفرص لغيرك رغم امتلاكك الكفاءة والاستحقاق.

ومع مرور الوقت يتحول هذا التجاهل إلى حالة من الإحباط تتسلل إلى الحماس، وتضعف الرغبة في العطاء ويبدأ الموظف في التساؤل عن موقعه الحقيقي داخل بيئة العمل.

ثم تأتي لحظة الترقيات… تلك اللحظة التي ينتظرها الموظف طويلًا، ويبني عليها آمالًا كبيرة ويرى فيها اعترافًا مستحقًا بجهوده ومسيرته المهنية.

لكن حين تمر الترقية من أمامه مرورًا عابرًا دون أن تلتفت إليه قد يشعر وكأن كل ما قدمه لم يكن كافيًا حتى ليُذكر.

وهنا لا يكون الألم في عدم الترقية فحسب بل في الإحساس العميق بأنه خارج دائرة الاهتمام وكأن اسمه لم يكن ضمن القائمة من الأساس.

يبدأ الموظف عندها بالشعور بأنه «مجمّد» في مكانه لا يتقدم ولا يتراجع، بل يكرر الأيام نفسها بلا تغيير. ويصبح حضوره روتينيًا، وعطاؤه آليًا، وشغفه الذي كان يومًا مصدرًا للدافعية يتحول تدريجيًا إلى عبء.

وتكبر داخله فكرة قاسية أنه مجرد رقم أو ربما «صفر على الشمال»، لا يُضاف ولا يُحسب له حساب.

ومع تراكم هذه المشاعر لا تتأثر الإنتاجية وحدها بل تمتد الآثار إلى الحالة النفسية وقد يتسلل الشك إلى النفس ويبدأ الإنسان بمراجعة ذاته:

هل أنا فعلًا غير كفء؟
هل المشكلة في أدائي؟
أم أن الخلل في بيئة عمل لا ترى ولا تقدر؟

وهنا تكمن الخطورة حين يبدأ الإنسان في تصديق صورة غير حقيقية عن نفسه، لمجرد أنها انعكست أمامه مرارًا.

لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: التهميش لا يلغي القيمة ولا يختصر الكفاءة.

فقد يكون الإنسان في المكان الخطأ، أو تحت إدارة لا تجيد اكتشاف الطاقات أو ضمن بيئة لا تمنح التقدير الذي يستحقه الأداء المتميز. ولذلك من الضروري أن يفرّق الإنسان بين تقييمه الحقيقي لذاته وبين تقييم غير منصف قد تفرضه عليه بيئة عمل لا تنصف الجميع.

ليس الحل دائمًا في الصمت ولا في الانسحاب الفوري بل يبدأ بالوعي وعي الإنسان بحقوقه وبقيمته وبأهمية أن يكون له حضور حقيقي ومؤثر في مكان عمله.

وأحيانًا يكون من الضروري أن يعيد ترتيب أوراقه وأن يطور من مهاراته وأن يبحث عن فرص جديدة أو أن يواجه التهميش بأسلوب مهني هادئ يستند إلى الأداء والإنجاز ويثبت من خلاله وجوده وكفاءته.

وقد يكون الرحيل خيارًا شجاعًا لا هروبًا فالاستمرار في بيئة تستنزف الإنسان وتضعف دافعيته يومًا بعد يوم ليس صبرًا بالضرورة بل قد يتحول إلى استنزاف. أما الانتقال إلى بيئة تقدر الكفاءة وتحترم العطاء فليس مغامرة بل قد يكون خطوة نحو المكان الذي يستحقه الإنسان.

إن كل إنسان يحمل في داخله قيمة لا تُقاس بمسمى وظيفي ولا تحددها ترقية تأخرت أو فرصة لم تُمنحه أو قرار لم يكن منصفًا.

فالقيمة الحقيقية تنبع من الإيمان بالذات ومن الاستمرار في العطاء رغم الظروف ومن القدرة على التعلم والنهوض وإعادة المحاولة حتى في أصعب اللحظات.

وفي النهاية تظل الحقيقة الأهم:

لا تسمح لأي بيئة أن تقنعك بأنك بلا قيم لمجرد أنها لم تُحسن رؤيتك أو لأنك لا تملك «الجسر» الذي يوصلك إلى ما تريد.

فهناك دائمًا مساحة أخرى وبيئة أخرى ومكان قد يرى فيك ما لم يره الآخرون
ويقدّر ما تقدمه وينتظر أن تظهر فيه كما أنت.

فإذا ضاقت بك المساحة فلا تخسر نفسك من أجل البقاء فيها. وإذا استطعت تغيير اتجاهك فغيّره بثقه فالتغيير لا يعني دائمًا الهروب بل قد يكون بداية لطريق جديد ومكان أكثر إنصافًاوفرصة تليق بما تملك من قيمة وكفاءة.

التعليقات (٠) أضف تعليق

أضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>